بعنوان: ما يحدث في غزة والضفة الغربية يفضح تضليل مجلس السلام العالمي
مجلس السلام: بين هندسة إنتاج الهيمنة والنفوذ ودفن القضية الفلسطينية
السلام المُعلَّب: السياسة الأمريكية في ثوب إنساني
إنّ «مجلس السلام» الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُعدّ أحد تجليات مخاض عالم جديد تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرضه على العالم، او احلاله على العالم القديم.
علينا النظر الى مجلس السلام بشكل رزمة متكاملة، وليس منفصلًا ولا معزولًا عن استراتيجية البيت الأبيض، التي عبّر عنها أيضًا، بصيغة أخرى، البنتاغون (وزارة الحرب الأمريكية) بوصفها التعبير العملي عن السياسة الأمريكية في العالم. فما جرى في فنزويلا في اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، والسعي للحد للنفوذ الصيني والروسي في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، والتهديد باحتلال غرينلاند، وإنهاء الحرب الأوكرانية بمعزل عن المصالح الأوروبية التي راهنت بكل رأسمالها السياسي والاقتصادي على تدمير روسيا أو إضعافها في أوكرانيا، وإعادة فرض الرسوم الكمركية ليس على كل دولة تسجل عجزها التجاري معها كما يدعي ترامب فحسب بل حتى على كل من يعارض السياسة الأمريكية، وإرسال البوارج الحربية والتهديد بإسقاط النظام في إيران، والسعي لفرض حكومة «الشرع–الجولاني» بقوة السلاح على كامل الأرض السورية مهما كان الثمن —كي تكون جزء من الشرق الأوسط الجديد الذي يهمين عليه إسرائيل، كل ذلك ليس منفصلًا لا عن مجلس السلام بشكل خاص ولا عن القضية الفلسطينية برمتها.
وكما هو معروف، كانت القضية الفلسطينية دائمًا تدفع ثمنا لصراعات الدول الإمبريالية العالمية والأقطاب الرأسمالية الإقليمية. واليوم، حين نتحدث عن «مجلس السلام»، الذي يشكّل محور خطة ترامب لإيقاف الحملة الوحشية لدولة الاحتلال النازية المسماة «إسرائيل»، فإننا أمام رؤية أمريكية للقضية الفلسطينية في المنطقة، ورؤية للاستراتيجية الأمريكية للسلام.
وأولى مقدمات هذه الرؤية، التي تستفيد منها إسرائيل، هي انتشال صورتها من وحل جرائم غزة، بعد أن تمزّقت روايتها وسرديتها ومظلوميّتها الكاذبة أمام العالم، وخصوصًا في الغرب. وقد اعترف دونالد ترامب نفسه بأن إسرائيل، للمرة الأولى، تخسر مؤيدين حتى داخل الحزب الجمهوري، بل إن حركة «ماغا» بات فيها جناح معادٍ لإسرائيل بسبب فظاعة جرائمها التي «تزكم الأنوف».
إنّ «مجلس السلام» ليس سوى تمرين سياسي للإدارة الأمريكية لاختبار هذا النوع من الطروحات بما يتناسب مع ما تريده الولايات المتحدة؛ أي محاولة لبناء بديل أممي جديد بقيادة أمريكية. ومن هنا يجب الربط بين هذا المشروع وبين انسحاب أمريكا من أكثر من 60 منظمة دولية، أبرزها مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، واليونسكو، ومنظمة الصحة العالمية، والأونروا… إلخ.
هذا الطرح، أي مجلس السلام البعيد كليًا عن آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني، ينظر إلى «السلام» بمعزل عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وتشكيل دولته المستقلة، ويبتعد بشكل كلي عن كل القرارات الأممية حول مسالة حل الدولتين، ويختزله في مفهوم «الرخاء الاقتصادي»، في تجاهل كامل لقانون تطوّر رأس المال، الذي يفترض أولًا الاستقرار السياسي، ثم الأمن والسلام؛ فبدون هذه العناصر لا يمكن لرأس المال أن يتدفق أو يستقر.
ولهذا لم تتفاعل الدول، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي — حتى تلك التي اعترف بعضها بدولة فلسطين — مع «مجلس السلام». وأكثر من ذلك، فإن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لم تنخرط فيه سوى الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الموقف الأوروبي لا يعكس صحوة ضمير تجاه الشعب الفلسطيني، بل يعكس صراعًا سياسيًا مع الولايات المتحدة، رغم كون هذه الدول شريكًا مباشرًا في جرائم إسرائيل.
ولولا الحركة التضامنية العالمية الكبرى مع الشعب الفلسطيني، وخصوصًا في الغرب، وفي قلبها النابض الحركة العمالية التي باتت تهدد شرايين الاقتصاد الغربي — ولا سيما عمّال الموانئ في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والسويد وإيرلندا — لما شهدنا موجة الاعترافات بدولة فلسطين في دول مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، ولا تحوّل المؤتمرات الاتحادات والمنظمات العمالية إلى منصات لمقاطعة إسرائيل.
أي أنّ هذه الدول لا تريد «العالم الجديد» الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه، وتسعى لاستبداله بعالم آخر، ويأتي «مجلس السلام» نموذجًا لهذا الصراع. ورغم تصريح وزير الخارجية الأمريكي أمام الكونغرس بأن مجلس السلام ليس بديلًا عن الأمم المتحدة، فإن هذا التصريح جاء نتيجة ضغط سياسي واضح.
وليس هذا فحسب، فـ«مجلس السلام» مرجعيته ترامب نفسه، ويُفرض على كل دولة ضخّ مليار دولار للانضمام إليه، دون أي آليات رقابة أو محاسبة، ما يجعله عمليًا مجلسًا للنهب والابتزاز السياسي، أقرب إلى «الخاوة» التي تُدفع لضمان المباركة والحماية الأمريكية.
والأكثر سخرية أنّ من بين أعضائه أو المدعوين إليه مجرمي حرب، مثل توني بلير، المتهم بفبركة الأدلة لغزو واحتلال العراق (2003–2011)، وبنيامين نتنياهو المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم ضد الإنسانية في غزة، إضافة إلى شخصيات مثل كوشنر وويتكوف، وهم سماسرة لا تربطهم بالسلام أي صلة سوى القرابة والصداقة وعالم الاعمال والمال بالرئيس الأمريكي.
أما الدول العربية التي وافقت على الانضمام في مجلس السلام، فهي جزء من سياسة رشوة ترامب ودرء خطره، وجزء آخر لضمان حضورها في أي ترتيبات أمريكية–إسرائيلية في المنطقة التي تعتبر القضية الفلسطينية في صلبها. غير أنّ هذا المشروع، في محصلته النهائية من وجهة نظر السعودية ومصر والأردن على الاقل، يجري فرضه على المنطقة ضمن ملامح ما يُسمّى بـ«مشروع الشرق الأوسط الجديد»، ولا يجوز تركه لإسرائيل ودول أخرى للانفراد بصياغته. حتى الصراع الجيوسياسي بين إسرائيل وتركيا وقطر، ولا سيما ما يتعلق برفض الأولى للوجود التركي والقطري في القوة الدولية في غزة، يندرج ضمن هذا السياق.
في التحليل النهائي، مجلس السلام لا علاقة له بالسلام، بل هو امتداد مباشر لمشروع «اتفاقيات أبراهام»، التي لم تجلب أمنًا ولا استقرارًا ولا استثمارًا لا لإسرائيل ولا للمنطقة.
والجانب الآخر الذي يجب التركيز عليه هو أنّ القضية الفلسطينية، في ظل التحولات العالمية المشار إليها، جرى التعتيم على جرائم إسرائيل، التي قتلت فقط يوم أمس الجمعة 17 شخصًا في غزة. إنّ المهمة الأساسية اليوم هي عدم السماح بضياع البوصلة تجاه القضية الفلسطينية.
علينا أن نكون قوة محرّكة مرتبطة بالحركة العالمية، وخصوصًا في الغرب، لتحريك الجبهة الإنسانية المدافعة عن الشعب الفلسطيني، وإعادة الزخم لهذه الجبهة. فالأمن والسلام في المنطقة لن يتحققا ما دام هناك ظلم قومي سافر، واحتلال نازي، وجرائم يومية. هذه ليست مسألة أخلاقية فقط، بل مسألة استراتيجية لانتصار حركتنا.
وعليه، نؤكد على نداءنا من جديد إلى الطبقة العاملة العالمية والجبهة الإنسانية على المطالب التالية، وندعوها للنضال كتفاً الى كتف من أجل فرضها على المجتمع الدولي من أجل:
1. انهاء كل مظاهر العسكرتارية في قطاع غزة والانسحاب الكامل لجيش الاحتلال.
2. رفع الحصار الكامل عن قطاع غزة، وإعادة إعمار ما دمّره الاحتلال.
3. محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة النازيين ومن يدعمهم في المحاكم الدولية والشعبية.
4. تصعيد حركة المقاطعة العمالية والشعبية حتى إنهاء الاحتلال وتفكيك نظام الاستعمار والفصل العنصري.
5. دعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والاعتراف بها ومساندة الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه الوطنية العادلة والمشروعة وفي المقدمة منها حقه في العودة وتقرير المصير وانهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطين المستقلة.